سيد محمد طنطاوي
303
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - * ( لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) * صفة لموصوف محذوف ، أي يهدى الناس إلى الطريقة أو الملة التي هي أقوم . قال صاحب الكشاف : * ( لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) * أي : للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها ، أو للملة أو للطريقة . وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف ، لما في إيهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه « 1 » . والمعنى : إن هذا القرآن الكريم ، الذي أنزله اللَّه - تعالى - عليك يا محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم - في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية - إلى الملة التي هي أقوم الملل وأعدلها ، وهي ملة الإسلام . فمنهم من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة ، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء . قال صاحب الظلال ما ملخصه : إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور ، بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض ، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة ، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء ، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ، ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق . ويهدى للتي هي أقوم ، في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه ، وبين مشاعره وسلوكه ، وبين عقيدته وعمله . ويهدى للتي هي أقوم في عالم العبادة ، بالموازنة بين التكاليف والطاقة ، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل ، ولا تسهل حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار ، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال . ويهدى للتي هي أقوم ، في علاقات الناس بعضهم ببعض : أفرادا وأزواجا وحكومات وشعوبا ، ودولا وأجناسا . ويهدى للتي هي أقوم في نظام الحكم ، ونظام المال ، ونظام الاجتماع ، ونظام التعامل . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) * صفة ثانية من صفات القرآن الكريم . أي : أن هذا القرآن بجانب هدايته للتي هي أقوم ، فهو - أيضا - يبشر المؤمنين الذين
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 439 . ( 2 ) في ظلال القرآن ج 15 ص 2215 .